بقلم : المؤرخ أ.د ياسر طالب الخزاعله.
إن الزعم القائل إن «سوريا أرض كردية وإن العرب جاؤوا إليها كضيوف» هو طرح سياسي أيديولوجي لا يستند إلى قراءة تاريخية علمية شاملة لمسار تشكل بلاد الشام عبر آلاف السنين، بل يقوم على اختزال شديد للتاريخ، وإسقاط صراعات القرن العشرين على الجغرافيا القديمة. فالتاريخ الإنساني في سوريا لم يكن يومًا تاريخ شعب واحد أو قومية واحدة، بل تاريخ تعاقب حضاري وسكاني معقد، تشكل عبر موجات من الهجرات والتفاعلات الثقافية، وهو ما يجعل أي ادعاء بالملكية القومية المطلقة للأرض طرحًا غير علمي من حيث المنهج التاريخيسوريا، بوصفها جزءًا من الهلال الخصيب، كانت منذ فجر التاريخ منطقة عبور حضاري وسكاني، تعاقبت عليها حضارات كبرى سبقت تشكل الهويات القومية الحديثة بآلاف السنين. ففي الألف الثالث قبل الميلاد كانت المنطقة مركزًا لحضارات سامية شرقية وغربية، منها الأكاديون والآراميون والكنعانيون، ثم لاحقًا الآشوريون والبابليون والفرس، ثم دخلت في المجال الهيلنستي فالروماني فالبيزنطي. وخلال هذه المراحل الطويلة لم يكن هناك كيان قومي باسم «الأكراد» بالمعنى الإثني السياسي الحديث داخل الجغرافيا السورية، بل كانت المنطقة ضمن المجال الثقافي السامي والآرامي أساسًا.
ظهور العرب في بلاد الشام ليس حدثًا طارئًا حديثًا، بل يعود إلى ما قبل الإسلام بقرون طويلة، حيث كانت القبائل العربية موجودة في بادية الشام وشمال الجزيرة العربية وتمتد إلى تخوم الفرات والجزيرة السورية. وعند الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي لم يدخل العرب إلى أرض خالية أو إلى «وطن قومي لشعب آخر»، بل دخلوا إلى منطقة متعددة الشعوب ضمن الإمبراطورية البيزنطية، وسرعان ما أصبحت اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية الإطار الحضاري الغالب في المنطقة لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا متصلة، وهو زمن تاريخي طويل جدًا مقارنة بزمن تشكل القوميات الحديثة.
أما من حيث التركيبة السكانية الحديثة، فالمعطيات الديموغرافية المتاحة تشير بوضوح إلى أن العرب يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان سوريا تاريخيًا وحديثًا. فالتقديرات السكانية تشير إلى أن العرب يشكلون ما بين 80 إلى 85% من سكان سوريا، بينما يشكل الأكراد نحو 10% تقريبًا من السكان، مع وجود أقليات أخرى مثل التركمان والآشوريين وغيرهم.
وهذا الرقم ليس مجرد رقم إحصائي، بل يعكس مسارًا تاريخيًا طويلًا من الاستقرار السكاني العربي في المدن السورية الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص وحماة، والتي كانت مراكز حضارية عربية إسلامية منذ أكثر من ألف عام، ولم تكن يومًا مراكز سكانية كردية تاريخيًا.
أما فيما يتعلق بوجود الأكراد في سوريا، فهو وجود حقيقي تاريخيًا، لكنه معقد ومتنوع، ويشمل مراحل متعددة من الهجرات والاستيطان عبر قرون، وليس وجودًا متجانسًا أو قديمًا على كامل الجغرافيا السورية. فالمصادر التاريخية تشير إلى أن الوجود الكردي في شمال سوريا تعزز بشكل كبير خلال العهد العثماني نتيجة نقل قبائل كردية أو استقرارها في مناطق حدودية، ثم تعزز أكثر خلال القرن العشرين بسبب موجات لجوء من تركيا بعد فشل ثورات كردية هناك.
ففي عشرينيات القرن العشرين، وبعد فشل ثورة الشيخ سعيد ضد تركيا، هاجرت موجات كردية إلى منطقة الجزيرة السورية، وقدر عدد الوافدين آنذاك بين 20 إلى 25 ألف شخص فقط من أصل نحو 100 ألف نسمة في المنطقة، وكان بقية السكان من العرب والمسيحيين (آشوريين وأرمن).
كما أن سلطات الانتداب الفرنسي لعبت دورًا مهمًا في إعادة تشكيل التركيبة السكانية في شمال شرق سوريا، إذ شجعت توطين مجموعات كردية وأقليات أخرى لأسباب سياسية تتعلق بسياسة «فرق تسد»، حيث منحت الجنسية لوافدين أكراد جدد وشجعت استقلالية الأقليات لمواجهة التيار القومي العربي الصاعد آنذاك.
بل إن هناك خططًا فرنسية موثقة هدفت إلى توطين لاجئين أكراد على الحدود السورية التركية لتشكيل حزام سكاني موالٍ للانتداب، كما حدث في ما عرف بخطة «تيرييه»، التي هدفت إلى توطين أكراد وآشوريين في مناطق الحدود الشمالية.
ومن الناحية الديموغرافية الدقيقة، تظهر إحصاءات الانتداب الفرنسي في بعض المدن أن العرب كانوا يشكلون جزءًا أساسيًا من السكان حتى في مناطق الجزيرة. ففي مدينة الحسكة عام 1939 كان عدد العرب في مركز المدينة أكثر بكثير من عدد الأكراد، حيث بلغ عدد العرب أكثر من سبعة آلاف مقابل نحو 360 كرديًا فقط، إلى جانب وجود مسيحيين وآشوريين وأرمن.
وهذا المثال لا يعني نفي وجود الأكراد، بل يوضح أن المنطقة كانت تاريخيًا متعددة الأعراق، ولم تكن أرضًا حصرية لأي قومية واحدة. حتى في مدن مثل القامشلي، التي تضم كثافة كردية، تظهر البيانات التاريخية أنها كانت مدينة متعددة الأعراق تضم عربًا وآشوريين وأرمن إلى جانب الأكراد.
إضافة إلى ذلك، فإن مفهوم «الوطن القومي» نفسه هو مفهوم حديث نشأ في أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين، وتم إسقاطه لاحقًا على مناطق الشرق الأوسط بعد انهيار الدولة العثمانية. وبالتالي فإن الحديث عن «ملكية قومية خالصة» لأرض مثل سوريا، التي عاشت آلاف السنين من التداخل السكاني، هو قراءة حديثة للتاريخ وليست قراءة تاريخية علمية.
كما يجب التمييز بين الحق الثقافي والحق السياسي والادعاء التاريخي المطلق. فوجود الأكراد في سوريا حقيقة تاريخية، كما أن معاناتهم من التمييز في فترات معينة حقيقة موثقة أيضًا، لكن هذا شيء، والقول إن سوريا «أرض كردية» وأن العرب مجرد ضيوف شيء آخر تمامًا من حيث المنهج العلمي. فحتى الخطاب الدولي المعاصر يتعامل مع الأكراد بوصفهم أقلية قومية ذات حقوق داخل الدول التي يعيشون فيها، وليس بوصفهم أصحاب الأرض الحصريين في أي دولة من الدول الأربع التي يعيشون فيها (تركيا، سوريا، العراق، إيران).
ومن المهم التأكيد أن الهوية السورية نفسها لم تتشكل على أساس قومي واحد، بل على أساس تفاعل طويل بين العرب والسريان والآشوريين والأرمن والأكراد والتركمان وغيرهم. فالتاريخ السوري هو تاريخ فسيفساء حضارية، وليس تاريخ قومية واحدة.
والأخطر في مثل هذه التصريحات أنها تستبدل مفهوم «التاريخ المشترك» بمفهوم «التاريخ الإقصائي»، وهو مفهوم يقود غالبًا إلى صراعات قومية، لأن كل قومية تستطيع أن تعيد قراءة التاريخ لصالحها إذا تجاهلت السياق الكامل. فلو طبق هذا المنهج على أوروبا مثلًا، فإن معظم دول أوروبا الحديثة ستفقد شرعيتها التاريخية، لأن حدودها الحالية لم تتشكل إلا خلال القرنين الماضيين.
كما أن الخطاب الذي يصور العرب كـ«ضيوف» في سوريا يتجاهل أن سوريا كانت مركزًا للحضارة العربية الإسلامية لأكثر من ألف عام، وأن اللغة العربية أصبحت لغة البلاد وثقافتها الأساسية منذ القرن السابع الميلادي، وهو زمن أطول بكثير من عمر معظم الدول القومية الحديثة في العالم.
ومن زاوية أخرى، فإن أي قراءة تاريخية نزيهة يجب أن تعترف بأن شمال سوريا كان عبر التاريخ منطقة حدودية متحركة سكانيًا، تأثرت بهجرات من الأناضول ومن العراق ومن الجزيرة العربية، وبالتالي فإن الحديث عن «أرض نقية عرقيًا» لا يتوافق مع الواقع التاريخي إطلاقًا.
كما أن الأبحاث الأكاديمية الحديثة تشير إلى أن الهوية الكردية نفسها تشكلت عبر قرون طويلة من التداخل القبلي والثقافي، وأن استخدام كلمة «كرد» في العصور القديمة كان أحيانًا يشير إلى مجموعات قبلية جبلية أكثر من كونه توصيفًا قوميًّا بالمعنى الحديث.
ومن هنا، فإن الرد التاريخي الصارم لا يقوم على نفي وجود الأكراد أو التقليل من دورهم، بل يقوم على وضع الأمور في سياقها الصحيح: الأكراد جزء أصيل من نسيج سوريا الحديث، لكنهم ليسوا أصحاب الأرض الحصريين تاريخيًا، كما أن العرب ليسوا «ضيوفًا»، بل هم المكون السكاني والثقافي الأكبر منذ أكثر من ألف عام.
التاريخ الحقيقي لسوريا هو تاريخ التعايش والتداخل، وليس تاريخ الإقصاء والاحتكار القومي. وأي خطاب يحاول تحويل التاريخ إلى ملكية قومية حصرية، سواء كان عربيًا أو كرديًا أو غير ذلك، هو خطاب سياسي معاصر أكثر منه قراءة علمية للتاريخ.
ولو أردنا خلاصة تاريخية صارمة يمكن صياغتها علميًا فهي: سوريا لم تكن يومًا دولة قومية خالصة، ولم تكن يومًا أرض شعب واحد، بل كانت عبر تاريخها الطويل أرض شعوب متعددة، لكن الثابت تاريخيًا أن العرب شكلوا الإطار الحضاري والسكاني الغالب فيها منذ أكثر من ألف عام، بينما تعزز الوجود الكردي الحديث فيها بشكل رئيسي خلال القرنين الماضيين نتيجة تحولات سياسية وهجرات إقليمية.▪
بقلم : المؤرخ أ.د ياسر طالب الخزاعله الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦م.
