مدونة نفحات الكتب

كتب أدبية ثقافية، قصص، روايات، مقالات

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

باكستان في الميزان

نزار السامرائي

أذكر أن صحيفة العرب التي كانت تصدر في بغداد في منتصف الستينيات وكان يمتلك امتيازها المرحوم الحاج نعمان العاني ويرأس تحريرها، نشرت عنوانا بارزا "مانشيتا" في أعلى صفحتها الأولى لا أذكر نصه على وجه الدقة، ولكن العنوان كان يحمل المعنى التالي، "يجب قبول باكستان في جامعة الدول العربية"، يوم صدور الجريدة اغتبط السفير الباكستاني في بغداد كثيرا وقرر شراء جمع نسخ الجريدة المعروضة في مكتبات بغداد، مما اضطرها لطبع كميات اضافية، وطرحها في مكتبات بغداد.
استذكرت هذه الواقعة فرأيت كم أن العراقيين عاطفيون وتشدّهم المواقف المؤيدة لقضاياهم وخاصة القضية الفلسطينية، وذلك لندرة الوالي، فبتصريح سياسي واحد صدر عن المشير أيوب خان بالوقوف مع العرب في قضاياهم العادلة، التهبت الحماسة العراقية والعربية وذلك برفع اسم باكستان في معظم شوارع المدن العربية، ربما باستثناء مصر التي كانت حريصة على علاقاتها الخاصة جدا مع الهند وهي محقة في ذلك كما أرى الآن وإن كنت لم استوعبه حينذاك.
حقيقة الأمر أن الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله، كان يعي جيدا أن مواقف الباكستان المعلنة التي كانت جزءا فاعلا من التحالف الغربي، وليست ايماناً بقضية ما، وإنما في محاولة لكسب تأييد العرب لها في صراعها مع الهند، وطلباً لمزيد من الدعم المالي السعودي لمساعدتها في سعيها لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع الهند، وهذا ما حصل فعلاً عبر نفق متدفق من الأموال السعودية إلى اسلام اباد، التي حققت في نهاية المطاف حلمها بصناعة القنبلة الذرية التي أطلقت عليها في حملة علاقات عامة، اسم القنبلة الاسلامية بل ظن كثير من العرب أن هذه القنبلة لم يكن الهدف منها تحقيق التوازن الاستراتيجي مع الهند، بل حققت التوازن الاستراتيجي العربي مع الردع النووي الإسرائيلي الذي يعود لوقت سابق، نعم هكذا نحن العرب تأخذنا العاطفة لنبكِ في أي عزاء أو نحتفل بأي عرس ربما أكثر من أهل العزاء وأصحاب العرس أنفسهم.
وفي النهاية غدرت باكستان بالعرب عموما وبالسعودية خصوصا، عندما تجاهلت الاستخبارات الباكستانية المعروقة بكفاءتها المشهود لها عالميا، بل تسترت على نقل خطط تكنولوجيا الطاقة النووية إلى إيران من قبل "أبو" القنبلة الذرية الباكستانية عبد القدير خان.
ولم تتوقف ثنائية الموقف الباكستاني عند كيل عبارات المديح للعرب علانية، ومد جسور التعاون مع أعدائهم الراهنين والمحتملين، فأثناء الحرب الأخيرة التي دفعت دول الخليج العربي وخاصة المملكة العربية السعودية ثمنا باهظا نتيجة تعرضها لقصف صاروخي إيراني لمنشآتها الاقتصادية وخاصة مرافق انتاج النفط وخطوط تصديره ومراكز تكريره، فلم تهتز شعرة عند رئيس الوزراء الباكستاني شاهباز شريف، بل كان يبعث بقصائد الغزل للعرب دون أي رصيد حقيقي، عند اشتداد الأزمة اتجهت الانظار إلى باكستان الجار الشرقي لإيران عساها أن تضغط عليها لتوقف عدوانها على دول مجلس التعاون الخليجي ظنا من العرب أن هذا هو يوم رد الجميل لهم، لا سيما وأن ترمب أغمض عينيه عن أي رد على مواقع الطاقة الإيرانية بل قدم تطمينات لطهران بأنه وكذلك نتنياهو لن يستهدفا مرافق الطاقة، فتمادت إيران في استهداف دول الخليج العربي بمن فيها سلطنة عمان ودولة قطر ولم تراع أنهما كانتا على خط وساطة أنشط من أي خط آخر، فكانت إيران وكلما تعرضت لضربة موجعة تعجز عن ردها على الولايات المتحدة أو إسرائيل لا تجد غير من تنظر إليهم من علو شاهق إلى منخفض سحيق لتفرغ غضبها المكبوت وحنقها الساخن، فكانت مثل قصة "گنامة" في الحكايات الشعبية العراقية.
باكستان التي التهمت المليارات من الدعم السعودي وعند أول اختبار لعلاقات الأخوة، سقطت باكستان في الامتحان، ففي الوقت الذي أعرب فيه رئيس وزراء الهند عن وقوف بلاده مع السعودية في دفاعها عن سيادتها الوطنية، خرجت علينا مالكة القنبلة الإسلامية، لا لإعلان التأييد لولي نعمتها، بل سارعت لإنقاذ إيران المعتدية على أصحاب مضخة الأموال إليها.
أظن أن العلاقات العربية مع دول العالم كافة يجب أن تبنى على أسس جديدة الأصل فيها المصلحة وليس تبويس اللحى، هذا الأمر يجب أن يوضع له حد وكفى أن ندفع لصاحب أفضل قصيدة تلقى أمام ولي الأمر، بل علينا تقنين أبواب الصرف في الأوجه التي تخدم أهداف العرب وقضاياهم، وليس لكل من عنده قضية خاصة ويريد تعزيز موقفه بوجه أعدائه عبر المال العربي.

نفحات الكتب


عن الكاتب

mkm

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

الإرشيف

Translate

مشاركة مميزة

رواية 1984 لجورج أورويل

جميع الحقوق محفوظة

مدونة نفحات الكتب